Translate

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الصفحات

الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026

صفحات من الأدب السوداني مثلاً :مقال الكاتب و الروائي العالمي السوداني الطيب صالح - رحمه الله - بعنوان : من أين جاء هؤلاء؟ من ارشيف المدونة الإلكترونية السودانية التوثيقية الشاملة. مدونة الدكتور/ ابراهيم عثمان سعيد عبد الحليم

 بسم الله الرحمن الرحيم 

مدونة الدكتور/ ابراهيم عثمان سعيد عبد الحليم 

السلسلة التوثيقية: صفحات من الأدب السوداني

مثلاً :مقال الكاتب و الروائي العالمي السوداني الطيب صالح - رحمه الله -  بعنوان :  من أين جاء هؤلاء؟                     

من ارشيف المدونة الإلكترونية السودانية التوثيقية الشاملة atmoorsudan.blogspot.com

( هل السماء ما تزال صافية فوق أرض السودان، أم أنهم حجبوها بالأكاذيب؟

هل مطار الخرطوم ما يزال يمتلئ بالنازحين؟ يريدون الهرب إلى أي مكان، فذلك البلد الواسع لم يعد يتّسع لهم. كأنّي بهم ينتظرون منذ تركتهم في ذلك اليوم عام ثمانية وثمانين. يُعلَن عن قيام الطائرات ولا تقوم. لا أحد يكلّمهم. لا أحد يهمّه أمرهم.

هل ما زالوا يتحدثون عن الرخاء والناس جوعى؟ وعن الأمن والناس في ذُعر؟ وعن صلاح الأحوال والبلد خراب؟

جامعة الخرطوم مغلقة، وكل الجامعات والمدارس في كافة أنحاء السودان. الخرطوم الجميلة مثل طفلة يُنيمونها عُنوةً ويغلقون عليها الباب، تنام منذ العاشرة، تنام باكية في ثيابها البالية. لا حركة في الطرقات. لا أضواء من نوافذ البيوت. لا فرح في القلوب. لا ضحك في الحناجر. لا ماء، لا خبز، لا سُكّر، لا بنزين، لا دواء. الأمن مستتب كما يهدأ الموتى.

نهر النيل الصبور يسير سيره الحكيم، ويعزف لحنه القديم. «السادة» الجدد لا يسمعون ولا يفهمون. يظنون أنهم وجدوا مفاتيح المستقبل. يعرفون الحلول، موقنون من كل شيء. يزحمون شاشات التلفزيون ومكرفونات الإذاعة، يقولون كلاماً ميّتاً في بلدٍ حيٍّ في حقيقته، ولكنهم يريدون قتله حتى يستتب لهم الأمن.

من أين جاء هؤلاء الناس؟

أما أرضعتهم الأمهات والعمات والخالات؟ أما أصغوا للرياح تهبّ من الشمال والجنوب؟ أما رأوا بروق الصعيد تشيل وتحط؟ أما شافوا القمح ينمو في الحقول، وسبائط التمر مثقلة فوق هامات النخيل؟

أما سمعوا مدائح حاج الماحي وود سعد، وأغاني سرور وخليل فرح وحسن عطية والكابلي وأحمد المصطفى؟ أما قرأوا شعر العباس والمجذوب؟ أما سمعوا الأصوات القديمة وأحسّوا الأشواق القديمة؟ ألا يحبّون الوطن كما نحبّه؟

إذاً، لماذا يحبّونه وكأنهم يكرهونه، ويعملون على إعماره وكأنهم مسخّرون لخرابه؟

أجلس هنا بين قوم أحرار في بلد حرّ، أحسّ البرد في عظامي، واليوم ليس بارداً. أنتمي إلى أمة مقهورة ودولة تافهة. أنظر إليهم يكرّمون رجالهم ونساءهم وهم أحياء، ولو كان أمثال هؤلاء عندنا لقتلوهم أو سجنوهم أو شرّدوهم في الآفاق.

من الذي يبني لك المستقبل، يا هداك الله، وأنت تذبح الخيل وتُبقي العربات، وتُميت الأرض وتُحيي الآفات؟

هل حرائر النساء من «سودري» و«حمرة الوز» و«حمرة الشيخ» ما زلن يتسوّلن في شوارع الخرطوم؟

هل ما زال أهل الجنوب ينزحون إلى الشمال، وأهل الشمال يهربون إلى أي بلد يقبلهم؟

هل أسعار الدولار ما تزال في صعود، وأقدار الناس في هبوط؟

أما زالوا يحلمون أن يُقيموا على جثّة السودان المسكين خلافةً إسلاميةً سودانيةً يبايعها أهل مصر وبلاد الشام والمغرب واليمن والعراق وبلاد جزيرة العرب؟

من أين جاء هؤلاء الناس؟بل، مَن هؤلاء الناس؟). 

الأديب السوداني الراحل الطيب صالح - رحمه الله - 

* المصادر: مواقع إلكترونية سودانية متعددة.

* مدونة الدكتور/ ابراهيم عثمان سعيد عبد الحليم 

السلسلة التوثيقية: صفحات من الأدب السوداني 

مقتبس من مقال الكاتب و  الروائي العالمي السوداني الطيب صالح - رحمه الله -  بعنوان :  من أين جاء هؤلاء؟ 

الموقع الإلكتروني: atmoorsudan.blogspot.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق